عبد الكريم الخطيب

918

التفسير القرآنى للقرآن

اهجموا عليه . . حرقوه . . وفي قولهم : « وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ » تحريض على إمضاء هذا الحكم وإنفاذه ، فهو انتصار لا لأشخاصهم ، وإنما هو انتصار لآلهتهم . . فمن لم يقف معهم في هذه الجبهة المدافعة عن الآلهة ، ومن لم يضرب بيده في وجه هذا المعتدى عليها ، فلينتظر غضب الآلهة ، وما يحلّ به من بلاء ! ! وفي قولهم : « إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ » تحريض بعد تحريض ، على إنفاذ الحكم الذي حكموا به على إبراهيم . . أي إن كنتم منتصرين لآلهتكم ، غير خاذلين لها ، فحرقوا إبراهيم ، وانصروا آلهتكم . أما إذا خذلتموها . . فهذا أمر آخر ! ! « قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ » . وهكذا أمضى القوم حكمهم في إبراهيم ، فأوقدوا نارا عظيمة ، وألقوه فيها . . ولكنّ رحمة اللّه تداركته ، وعنايته أحاطت به ، فلم يخلص إليه من النار أذى ، بل كانت بردا وسلاما عليه . . وفي قوله تعالى : « عَلى إِبْراهِيمَ » . . بذكر إبراهيم ، بدلا من الضمير - في هذا تكريم لإبراهيم ، ورفع لقدره ، وتمجيد لاسمه ! وانظر إلى قدرة اللّه . . النّار المتأججة الجاحمة ، يلقى بإبراهيم في لهيبها المتضرّم دون أن يجد لهذه النار أثرا من الحرارة . . بل لقد تحولت إلى برد يحتاج المرء معه إلى نار تدفئه ! فكان قوله تعالى : « وَسَلاماً » هو الأمر الذي صدعت له النار فأعطت بردا لطيفا لا تقشعر منه الأبدان . . بل هو أشبه بنسائم العشىّ بعد نهار قائظ . .